السعيد شنوقة

371

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان » ثم قال : « يعنى أنه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب » « 1 » . فما الذي يفهم مما أثبت الله عز وجل بأنه سيسألهم عما فعلوه ؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يضطرهم إلى الضلال ؟ أما يفهم من هذا أن العباد هم المختارون لأفعالهم والقادرون عليها ، وبأن معنى كسب الإنسان فعله ليس سوى أن الفاعل فعل بآلة وبجارحة وقوة مخترعة « 2 » ، وأهل السنة يردون هذه الخلفية الاعتزالية لأنهم يرون وقوع الشيء بقدرة محدثة ومن ثمة يكون كسبا لمن وقع بقدرته « 3 » ، ولا يخفى ما في هذا الرأي السني من إنكار أن يكون العبد هو الموجد لأفعاله ، ولكنهم يقرّون مع هذا بأن لقدرة العبد أثرا لأن ذات الفعل وإن وقعت بقدرة الله سبحانه ، فإنّ كونه طاعة ومعصية وصفات تحصل لها هي واقعة بقدرة العبد « 4 » ، ذلك أن الأشاعرة يفرقون بين الفعل وصفته فالطاعة والمعصية صفة لا فعل تكتسب نتيجة للفعل من حيث كونه طاعة أو معصية . بينما يعنى بالفعل الخلق والإيجاد ، في حين يقصد بصفته الاكتساب . ومن هنا يكون فعل الله سبحانه للطاعة عندهم معناه خلقه لها ، فلا يعنى ذلك وصفه بها إلا أن الإنسان يوصف بأنه طائع عاص ، وليس في وصفه بهذا ما يعني خلقه للطاعة والمعصية « 5 » . وعلى هذا فالهداية دعاء للحق أو خلقه في القلوب كما أن الإضلال خلقه في قلوب أهل الضلال ، وأن من أضله فبعدله ومن هداه فبفضله . ورأى كثير من أهل السنة أن القرآن الكريم اشتمل على آيات كريمة دلت على تفرد الله سبحانه بهداية الخلق وإضلالهم والطبع على قلوب الكفرة منهم . ولا ريب في أنها سندهم القوي السمعي أمام مخالفيهم « 6 » ؛

--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 427 - 426 . ( 2 ) مقالات الإسلاميين ، ج 2 ، ص 221 . ( 3 ) م ن ، ج 2 ، ص ، 221 والباقلاني ( ت 409 ه ) ، كتاب التمهيد ، ص 307 : قال : « معنى الكسب أنه تصرف في الفعل بقدرة تقارنه في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة من حركة الفالج » . ( 4 ) انظر د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، مدخل ودراسة ص 307 . ( 5 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ص ، 125 وكذا د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق العربية الإسلامية ، ص 305 ، 306 . ( 6 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، ص ، 88 كذا ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 267 - 397 ، ج 3 ، ص ، 450 وجولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 172 .